بوابة الانسانية

أزمة

أزمة "الروهينجا" وضمير العالم

الثلاثاء 11 يونيو 2019 مقالات

على الرغم من زيارتي لعدد غير قليل من معسكرات اللاجئين حول العالم، فإن زيارتي – مؤخرًا – لمعسكر لاجئي مسلمي الروهينجا في منطقة "كوكس بازار" ببنجلاديش كانت لها طبيعة خاصة جدًا لأسباب عديدة.

في مقدمة هذه الأسباب أن هذا المعسكر يضم أقلية مسلمة تم طردها من أراضيها واضطهادها من قبل حكومة دولة ميانمار – بورما سابقًا، وثانيًا أن هذا المعسكر يلقي الضوء وبقوة على أزمة الأقليات المنتشرة في الكثير من دول العالم وضرورة وضع ضوابط دولية للتعامل معها في ظل الانتهاكات والتجاوزات غير المسبوقة التي تعرضت لها أقلية مسلمي الروهينجا في ميانمار على مرآى ومسمع من الجميع ودون أن يتحرك أحد.

والنقطة الثالثة في تلك القضية هي وجود عدد كبير من الأطفال داخل معسكرات اللاجئين تصل إلى 55% من عدد السكان الذي يبلغ مليون و118 ألفا و576 لاجئ تم توزيعهم من قبل حكومة بنجلاديش- والذين فروا إليها؛ حيث تجاور إقليم راخين مباشرة – على 34 معسكرًا بأعداد مختلفة تتراوح بين 25 – 50 ألفًا لكل معسكر.

وبرزت أزمة مسلمي الروهينجا بشكل كبير على الساحة الدولية خلال عام 2017، إلا أنها ليست أزمة جديدة، وإنما تعود جذورها إلى سنوات عديدة مضت وبالتحديد عام، 1977؛ حيث بدأت بوادر الاضطهاد للمسلمين في دولة ميانمار – بورما سابقًا - بطرق عدة شملت حرمان أبناء هذه الأقلية من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر، بالإضافة إلى قيام جيش ميانمار بالتعامل معهم بطرق وحشية أدت إلى هروب مئات الآلاف منهم إلى بنجلاديش حتى تفجرت الأزمة بصورة كاملة عام 2017، حيث تم تدمير 392 قرية كانت تعيش بها أقلية الروهينجا وفر جميع مسلمي الروهينجا إلى منطقة كوكس بازار، والتي تقع جنوب شرق بنجلاديش، والتي تعاملت مع الأزمة بصورة إنسانية واحترافية كبيرة على الرغم من التحديات الاقتصادية التي تواجهها؛ سواء من قبل عدد السكان والذي يبلغ 165 مليون نسمة تقريبًا؛ بينما مساحتها تبلغ 147 كيلو متر مربع فقط؛ مما يوضح حجم الكثافة السكانية المرتفعة بها.

وخلال زيارتي للمعسكرات والتي جاءت بدعوة من وزارة الخارجية البنغالية ضمن وفد إعلامي دولي لمست حجم الجهود التي بذلتها حكومة بنجلاديش لتوفير الحد الأدنى للمعيشة الآدمية لهؤلاء اللاجئين خاصة في بداية الأزمة، حيث جاءت التحركات الدولية متأخرة للغاية وبدأت الجمعيات الأهلية؛ سواء الدولية أو المحلية تتحرك بعد تفاقم الأوضاع تمامًا وبعد تحمل حكومة بنجلاديش لضغوط اقتصادية كبيرة بسبب وجود مسلمي الروهيجا على أراضيها فقد زارت الشيخة حسينة رئيسة الوزراء المعسكرات، وشكلت فريق عمل يضم 40 مسئولًا حكوميًا لتنظيم الحياة داخل المعسكرات والعمل على توفير سبل الحياة الكريمة لهم بالتعاون مع المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة.

واللافت للنظر داخل المعسكرات، أنه تم بناؤها باستخدام الغابات الضخمة التي تتميز بها منطقة كوكس بازار السياحية الجميلة، حيث تم بناء غرفة لكل أسرة بغض النظر عن عددها وتقسيم كل معسكر إلى مناطق وشوارع، وإقامة أماكن للحصول على المياه منها وحمامات، بالإضافة إلى مراكز طبية للتعامل مع الأمراض الكثرة التي يعاني منها اللاجئون خاصة الأطفال، وفي مقدمتها الأمراض المتوطنة، والتي تحتاج إلى تطعيمات متنوعة، حيث تم تدريب 1800 متطوع من مسلمي الروهينجا لتدريبهم على الإسعافات الأولية للتعامل مع الحالات المرضية داخل المخيمات ومساعدة الأطباء المتواجدين بالمعسكرات.

والمؤكد أن أزمات توفير الغذاء اللازم والتعليم لهذا العدد الضخم من اللاجئين في تلك المعسكرات يشكل تحديًا حقيقيًا ليس أمام حكومة بنجلاديش التي تحملت الصدمة الأولى؛ ولكن أمام العالم كله خاصة الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة؛ سواء برنامج الغذاء العالمي، والذي يلعب دورًا ليس كبيرًا في الدعم أو منظمة الصحة العالمية، بالإضافة إلى دور منظمة التعاون الإسلامي بوصفها الراعي الرئيسي للمسلمين حول العالم.

ورغم تلك الجهود المبذولة، إلا أن الأوضاع داخل معسكرات لاجئي الروهينجا مازالت تحتاج إلى الكثير من الدعم الدولي على كافة المستويات ووقوف العالم خلف حكومة بنجلاديش للصمود في مواجهة الأزمة والسعي لتوفير سبل الحياة لمسلمي الروهينجا في ظل النقص الكبير في الإمكانيات الموجودة بالمعسكرات؛ سواء في الأدوية أو البنية التحتية أو غيرها من متطلبات الحياة اليومية، برغم قيام القوات المسلحة البنغالية بإقامة عدد من الطرق والجسور بدعم مالي من الأمم المتحدة، إلا أن ضمير العالم مازال لم يستيقظ أمام صرخات أطفال وأمهات وشيوخ لاجئي الروهينجا في أقصى جنوب شرق بنجلاديش.

المصدر : بوابة الاهرام