بوابة الانسانية

الروهينجا.. ورواسب «العالمية الثانية»

الروهينجا.. ورواسب «العالمية الثانية»

الخميس 14 مارس 2019 مقالات

الشهر الماضي، ناشدت الأمم المتحدة وشركاؤها المجتمع الدولي التبرع بـ920 مليون دولار من أجل مساعدة قرابة مليون من لاجئي الروهينجا الذين يعيشون الآن في مخيمات في بنجلاديش. هؤلاء اللاجئون يفرون من العنف المستشري في الجزء الشمالي من ولاية راخين في ميانمار. عنف يرتكبه جيش ميانمار تحت ذريعة أن الروهينجا ليسوا من مواطني ميانمار، وإنما «مقيمون أجانب» من بنجلاديش لا يتحدثون اللغة البورمية، ولا هم جزء من المجموعات الإثنية المتنوعة لميانمار. 
ويمثل العنف العسكري ضد أقلية الروهينجا المسلمة امتداداً لسياسات حكومية خاطئة بلغتْ أوجَها عام 1982، عندما جُرد الروهينجا من الجنسية تحت قانون الجنسية في ميانمار. هذه الثغرة القانونية سمحت لحكومة ميانمار بمواصلة قمعها الأخير للروهينجا. 
وإلى أن يفهموا جذور العنف الحالي الذي يعود إلى الحرب العالمية الثانية، والطريقة التي يتمظهر بها ذاك العنف في لغة الروهينجا نفسها، سيستمر أعضاء المجتمع الدولي في إيجاد صعوبة في اجتراح سياسات فعالة لمعالجة الأزمة الإنسانية والسياسية المعاصرة. 
الهجمات المستعرة على شعب الروهينجا، وهم مسلمون، ولديهم لغتهم الخاصة بهم، فاجأت المراقبين الأجانب الذين ما زالوا حائرين بشأن طبيعة هذا العنف، ولكن للنزاع جذوراً تاريخية عميقة. إذ تكشف وثائق من الأرشيف البريطاني أزيل عنها طابع السرية أن جذور محنة الروهينجا الحالية تعود إلى مشاركتهم في الحرب العالمية الثانية، وخاصة إلى أعمال العنف الطائفي التي اندلعت بين الروهينجا المسلمين وطوائف راخين البوذية خلال الحرب وبعدها. 
منذ القرن التاسع عشر، رُبط شمال أراكان (أو ولاية راخين) بالهند البريطانية عبر الهجرة والنقل والإدارة الإمبريالية. وحكم البريطانيون بورما كجزء من الهند البريطانية حتى 1937، عندما أصبحت بورما مستعمرة بريطانية منفصلة. وخلال معظم القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، شجّع الحكام الامبراطوريون الهجرةَ المكثفة للهنود «الأوفياء» من أجل تخفيف ومواجهة تأثير البورميين «الأقل جدارة بالثقة» بهدف الحفاظ على حكم إمبريالي مستقر. 
وخلال الحرب العالمية الثانية، حددت انقسام الولاءات استراتيجيات البريطانيين بخصوص ساحة المعركة في «حملة بورما». ذلك أن عدداً كبيراً من المسلمين الروهينجا، الذين كانوا في معظمهم عمالا غير متعلمين في مزارع الأرز في راخين الحالية، جُندوا من أجل القتال في صفوف «الجيش الرابع عشر» الذي يقوده البريطانيون ضد القوات اليابانية. وعلى الجانب الآخر، قاتل الجيشُ الوطني البورمي بقيادة أونج سان (والد زعيمة ميانمار الحالية أونج سان سو كيي) في صفوف اليابانيين، الذين وعدوهم بالاستقلال عن الحكم البريطاني. 
أعمال العنف الطائفي اندلعت بين المسلمين الروهينجا المواليين لبريطانيا وبوذيي راخين الموالين لليابان خلال الحرب. وفي 1943، عندما عاد اللاجئون الروهينجا إلى قراهم مع الجنود البريطانيين، تواصل العنف بين المسلمين الروهينجا وبوذيي راخين. وهذه المرة كان الدافع هو الثأر لما حدث خلال الحرب. وقد كان العنف جد دموي لدرجة أن الحكام العسكريين البريطانيين قرروا إعلان بلدة أكياب «منطقةً محميةً» لوقف عودة الروهينجا إلى قراهم تجنبا لإراقة دماء طائفية بين المسلمين والبوذيين. 
وبعد نهاية الحرب في أغسطس 1945 مع استسلام اليابانيين، استمرت التوترات بين المسلمين والبوذيين. وبحلول 1946، أصبحت مخلفات الذخائر من زمن الحرب مصدرَ تسليحٍ لكل من المسلمين الروهينجا ومتمردي راخين البوذيين. وفي 1947، قُسمت الهند البريطانية على أساس ديني إلى الهند ذات الأغلبية الهندوسية وباكستان ذي الأغلبية المسلمة. وفي العام التالي، نالت بورما استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية وسط احتجاجات عنيفة من قبل الأقليات الإثنية داخل حدودها. 
وبعد استقلال بورما عن الحكم البريطاني في يناير 1948، اندلعت أعمال العنف من جديد في راخين. ووفق وثائق من الأرشيف البريطاني، فإن عدداً كبيراً من المتمردين الروهينجا كانوا «جنوداً سابقين في الجيش» كانوا يهاجمون «خاصرة الجنود النظاميين» التابعين للجيش البورمي قبل أن يتواروا في التلال والغابات. ورداً على ذلك، سلّحت الحكومة البورمية متمردي راخين البوذيين بهدف التصدي لهجومٍ على الحكومة من قبل أقلية (المسلمين الروهينجا)، من خلال أقلية أخرى (بوذيي راخين). وهكذا، ظهر واحد من المخططات الأولى للدعم الحكومي للعنف ضد الروهينجا. 
والواقع أن تعدد أشكال كتابة لغة الروهينجا إنما يمثل شاهداً على كفاح الروهينجا للحفاظ على هويتهم في حدود عنيفة بين عدة دول- أمم. كما أنه يمثل دليلاً على جهودهم الرامية لنيل الاعتراف واللجوء عبر الحدود والثقافات. هذا الغموض في اللغة وحدود الإقليم الذي حصل في ساحات معارك الحرب العالمية الثانية، وظهر من جديد في المناطق الحدودية لميانمار وباكستان وبنجلاديش لاحقاً، ما زال يلاحق هويتهم «البدون». كما أنه ُيمكّن دولة ميانمار من إدامة وتخليد أسطورة أن الروهينجا ليسوا سوى «مهاجرين يتحدثون البنغالية» وأجانب في أرضهم.

المصدر : الاتحاد