بوابة الانسانية

كمقاومة للمرض..نساء يتحدثن عن إصابتهن بسرطان الثدي

كمقاومة للمرض..نساء يتحدثن عن إصابتهن بسرطان الثدي

الأربعاء 10 أكتوبر 2018 مقالات

مع شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر من كل عامّ، تبدأ مبادرة الشهر العالمي للتوعية حول سرطان الثدي، أو ما يُسمى أيضًا "الزهري لأكتوبر"، حيث تعمل هذه المبادرة على مستوى دولي من أجل التوعية من مخاطر سرطان الثدي، وضرورة الفحص المبكر للنساء كخطوة نحو الشفاء العاجل.
 

في كل مكان بالعالم، تتجسّد هذه المبادرة من خلال حملات عديدة، منها ندوات ومحاضرات وحملات إعلامية متنوعة، تأخذ الفضاءات الرقمية، مثل المواقع الإلكترونية وفيسبوك وغيرها، حيزًا فيها، وهذا يحدث منذ بدأت المبادرة عام 1985. إلّا أن أهمّ ما يحدث اليوم، هو من جهة التغيير الحاصل في نظرة المجتمعات لمرض السرطان عمومًا، وسرطان الثدي خاصّة، بالإضافة إلى طريقة تعامل النساء اللواتي أصبن بالمرض أو المصابات به، وبالأساس، قدرتهن الجميلة على الإعلان عن إصابتهن بالمرض عبر منابر عديدة، كآلية، في جانب منها، لمواجهة المرض بقوة.

منذ فترة ليست بطويلة، بدأنا نقرأ ونسمع تصريحات لفنانات عربيات يعلنَّ عن إصابتهن بمرض سرطان الثدي، سواء كن قد شفينَ منه عند إعلانهن عنه أو ما زلن يقاومن المرض. من بين الأسماء المهمّة، والتي قاومت المرض بقوة وجرأة وعلنية حتى النفس الأخير، هي الفنانة الفلسطينية ريم بنّا، التي كانت تشارك جمهورها في كل العالم بتفاصيل مرضها وسيرورة علاجها، بما في ذلك مشاركتها في محافل عديدة للتوعية حول سرطان الثدي، حيث كان هذا النهج فضاءً يدعمها في مواجهة المرض من جهة، وأيضًا تقوية نساء أخريات يعشن نفس التجربة وقسوتها. ريم، التي رحلت عنا في آذار/ مارس الماضي، بقيت حتى اللحظة الأخيرة تفعل ما يمنحها الحياة كلّ الوقت: أن تغنّي.

من بين الفنانات العربيات أيضًا اللواتي أعلن عن إصابتهن بمرض سرطان الثدي وانتصارهن عليه، هي الفنانة اللبنانية إليسا، والتي اخترت أن تبلغ جمهورها بذلك من خلال أغنية "إلى كل اللي بيحبوني"، والتي أصدرتها من خلال فيديو كليب في آب/ أغسطس الماضي. حيث بدأ الكليب بتسجيل صوتي لإليسا تحكي عن ما مرّت به، وعن ما جعلها تقاوم مرضها، مشيرة في حديثها: "أنا تعافيت، قاومت المرض وغلبته. الكشف المبكر لسرطان الثدي قادر على إنقاذ حياتك. لا تهمليه، واجهيه، افعلي ذلك، مش كرمالك، كرمال كل اللي يبحبوكي".

بالضرورة هنالك اختلاف واضح للتعامل الفردي والمجتمعي اليوم مع مرض السرطان عامّة، وسرطان الثدي على وجه الخصوص، وخصوصية سرطان الثدي تحديدًا والتي تأتي من أبعاد مختلفة لها علاقة بالمرأة وجسدها وصحّتها، بالإضافة إلى المنظومة الجندرية للتعامل مع ذلك. إلا أن الإنجازات، إن صحّ التعبير، لرفع الوعي تجاه المرض والفحص المبكر، والتعامل العلني معه من قبل نساء كثيرات، لسن بالضرورة نساء مشهورات، هو واضح كالشمس، مقارنة بسنوات سابقة، حيث كان - وما زال بنسبة أقل- يُطلق على مرض السرطان الاسم: "هداك المرض"، أي "ذاك المرض"، خوفًا من أن يُلفظ اسمه، وبالتسمية هذه يرى الناس بأنهم يبعدون المرض عنهم وينقذون أنفسهم من الإصابة به.

لربما يأتي التعامل المجتمعي اليوم مع مرض السرطان عامّة، وسرطان الثدي خاصّة، من انتشار المرض وكثرة الإصابة به. حيث تفيد الإحصائيات بأن "سرطان الثدي هو الأكثر شيوعًا لدى النساء وثاني أكثر شيوعًا في أمراض السرطان عمومًا. حيث أن هنالك أكثر من 2 مليون حالة جديدة في العام 2018"، وللأسف يمكن إضافة "حتى الآن"، لأن هذا العامّ لم ينته بعد. وبإمكان هذه الإحصائيات أن تقول لنا، ولوّ حتى بالهمس، أن جميعنا معرضون ومعرضات للإصابة به في هذا العصر تحديدًا، وأن الضرورة للفحص المبكر لسرطان الثدي، تزداد يومًا بعد يوم.

أثناء كتابتي لهذا المقال، بحثت عبر صفحتي في موقع فيسبوك عن نساء كن مصابات بسرطان الثدي أو مصابات به اليوم، للحديث معهن. تلقيت مجموعة من الرسائل من نساء أردن مشاركة تجاربهن، لشعورهن بضرورة ذلك من أجل منح دعم ومشاركة أمل مع نساء أخريات يعشن التجربة اليوم. من هؤلاء النساء، تحدثت مع شادن، وهي في الثالثة والأربعين من عمرها، أمّ لابنيْن، كانت قد أكتشفت إصابتها بسرطان الثدي عندما كانت حامل بابنها الأوّل في الشهر السابع قبل 13 عامًا، حيث اضطر الأطباء أن يولدّوها كي تنتقل إلى سيرورة العلاج فورًا.

في حديث معها عن تجربتها، قالت شادن: "لربما الأمر الوحيد الذي أخطأت فعله، وأندم عليه قليلًا، بأني أخفيت مرضي بداية… ممنوع أن يعرف أو يلاحظ أحد، خاصّة عندما فقدت شعري ووضعت الباروكة؛ هل انتبه الناس؟ هل عرفوا؟ استثمرت طاقة كبيرة بالتفكير بما يفكر به الناس.. وهذا خطأ. لا داعي لإخفاء السرطان، لأنه ليس عيبًا. لا أعلم لما كنت ضعيفة آنذاك، كنت متزوجة جديدًا وحاملًا وأنجبت طفلي وأنا مريضة. اليوم، أعمل كل جهدي أن أحكي قصتي للعالم، وأدعو كل امرأة لأن تعمل الفحص المبكر، لأن الجميع معرّض له، واليوم هنالك أمراض أشد خطورة من السرطان".

ترى شادن اليوم ونساء كثيرات أخريات، بأن هنالك أهمية بالحديث عن الإصابة بالسرطان، كأداء يعمل على تقوية المريضة أيضًا، وتضيف شادن: "مهم أن تحكي المرأة المصابة بالمرض، أن لا تخبئه ولا تهتم لما يقوله الناس من ردود أفعال متنوعة، أن لا تخجل من فقدان شعرها.. وصلتُ إلى مرحلة لم أستطع فيها المشي، احتجت لكرسي متحرّك، لكن كل هذا ليس عيبًا. إن أكثر ما ساعدني بالشفاء هو أن أفكر بالحياة التي تنتظرني، بالطفل الذي أحضرته للتوّ إلى هذا العالم ومن المستحيل أن أتركه بلا أمّ. نعم، تغلّب الخوف من الموت عليّ، خاصّة لأني كنت بمرحلة متقدمة من المرض وكان نوع السرطان سيئًا ومنتشرًا في الصدر، لكن التفكير بمن أحبّهم، بزوجي وابني، ودعم العائلة، أعطاني شعورًا بمسؤولية كبيرة بتقوية نفسي والانتصار على المرض، والحمد لله، اليوم وبعد 13 عامًا، أنا بصحّة جيّدة، وأنجبت ابنًا ثانيًا، رغم أن الطبّ أخبرني باستحالة ذلك، لكن الله أعطاني.. نستطيع تحقيق كل شيء بإيماننا بذلك".

هنالك قصص قوة جميلة لنساء بإمكاننا مشاركتها أكثر، كلّ منا يعرف قصّة تستحق المشاركة تقديرًا لسيرورة ما تمرّ به نساء كثيرات بمقاومتهن لسرطان الثّدي. بالطبع، ترافق هذه السيرورة خوفًا أساسيًا، وهو الخوف من الموت، الفكرة الأولى التي ترتبط مع اكتشاف الإصابة بالمرض، سواء على المريضة نفسها أو كل من يحيطها من عائلة وأصدقاء.. فعلى الأقل، ليكن هذا الخوف الشرعي والطبيعي محركًا إيجابيًا للفحص المبكر، لتشجيع أنفسنا وكل من حولنا بالقيام بالفحص، لأن الاكتشاف المبكر للمرض بالتأكيد خطوة نحو الشفاء السريع.

المصدر : DW