بوابة الانسانية

pah أصحاب الهمم في أوغندا.. رصيد يتقلّص

أصحاب الهمم في أوغندا.. رصيد يتقلّص

الأحد 24 ديسمبر 2017 أخبار

مُعاناة مُضاعفة، قِوَامها الفقر المُدقع، ملخص حال أصحاب الهمم في أوغندا، لا أحد يسمع أصواتهم ولا أحد يلبي احتياجاتهم، تتبدد آمالهم وأحلامهم في الجري وراء حقوق يكفلها القانون وتمنعها الظروف ونقص الإمكانيات.

الإمارات المانح الإنساني الأول عالمياً بادرت في تفريج كربة هذه النقطة المنسية على وجه الكرة الأرضية؛ عبر سلسلة بعثات إغاثية، وطواقم مساعدات، وجهود خاصة لمناصرة ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين الذين هم على أرضها فقط أصحاب للهمم وطامحين نحو القمم.

«دبي العطاء» بدورها غرست الفسيلة الأولى في صحراء الإعاقة الأوغندية، عبر تكفلها بتعليم 500 من أصحاب الهمم في مقاطعة «أمولاتار»، وتقديم مساعدات كبيرة هم أحوج ما يكونون لها كبلسم يداوي جراح عجزهم الغائر في ضمير الإنسانية.

مطالب أصحاب الهمم لا تتجاوز الحياة الكريمة، من علاج ومسكن إلى اهتمام على صعيد الرعاية الصحية والتعليم والتأهيل ليكونوا جزءاً من مجتمعهم، لكن هذا الأمر يبدو صعب التحقق في بلد مثل أوغندا يعاني الفقر ومازال يضيف عدداً في رصيد أصحاب الهمم، يعانون بصمت ويتكبدون جراحاً بصمت في غياب آمال تخفف عنهم وطأة الحرمان.

في الطريق إلى المخيم، ورغم أن الحافلة التي أقلتنا ضمن فريق «دبي العطاء» والمرافقين الإعلاميين، إلى حيث مآسي اللاجئين من جنوب السودان في شمال أوغندا، قد ضلت طريقها ومن ثم تعطلت، إلا أن إنسانيتنا لم تخطئنا أبداً ولم تضل طريقها بأن هؤلاء المعوزين في هذه البقعة من القارة السمراء في أمس الحاجة لاستفاقة الضمير الإنساني لمدهم بالعزم والقوة لمواجهة تبعات اللجوء، وبسط الأيدي البيضاء لمعاناتهم ولا سيما أصحاب الهمم الذين أثقلت كاهلهم حياة بائسة، إلى جانب وضع حياتي صعب زاد معاناتهم بسبب ظروف الإعاقة.

نعم إن الحافلة التي شقت بنا طريق مقاطعة «أمولاتار» غير المعبّد، والتي تضم نحو 500 طفل من أصحاب الهمم، كانت كآلة الزمن التي عادت بنا قرنين من الزمان، وحولت مهنتنا إلى «البحث عن الإنسانية»، عوضاً عن «البحث عن المتاعب»، كادت المنطقة بل الجمهورية كلها تخلو من المدارس التي تضم أصحاب الهمم بين صفوفها إلا من القليل ممن يعد على أصابع اليد، لأسباب عدة تؤدي في جملتها إلى زيادة تهميش هذه الفئة الاجتماعية التي تلقت ضربتين، الأولى تتجلى في الإعاقة سواء الجسدية أو الذهنية والثانية في العجز الاقتصادي لهذه الطبقة واعتمادها على الآخرين.

اقتصر المخيم الذي زرناه في شمال أوغندا وتحديداً في منطقة «أمولاتار»، التي تحوي 28 ألفاً من أصحاب الهمم يعيشون في بضعة أكواخ هزيلة ومتلاصقة تعلوها أكوام القش، تضم شريحة مسحوقة اجتماعياً تخطت حاجز المليون شخص، تسحق بدورها ليس الإناث اللواتي تستخدمهن أداة لجلب المياه والقيام بشؤون العيش والتناسل والقيام بكل متوجبات ومتطلبات الذكور فحسب، وإنما أصحاب الهمم أيضاً.

مدارس هزيلة

«أمولاتار» التي تضم العدد الأكبر من أصحاب الهمم ترفض مدارسها احتضانهم بين صفوفها، وتعاني من ندرة التعليم الشامل وتشكو قلة الدعم الحكومي لأسباب عدة أهمها امتهان الصيد البحري، والزواج المبكر، ناهيك عن الفقر الذي يعتبر التحدي الرئيس، فضلاً عن الإعاقات المتعلقة بالخدمات كإعادة التأهيل وعدم دعم المنظمات.

وتعد التكلفة الباهظة لتأهيل وتدريب أصحاب الهمم، نسبة للدخول الضعيفة للأسر معوقاً آخر من معوقات التحاقهم بالتعليم، أما رحلة البحث عن مكان للتعليم بين مركز التأهيل فهي حلم يبدو مستحيلاً لهم في هذا المكان.

ويجمع أولياء أمور أطفال من أصحاب الهمم التقيناهم في مقاطعة «امولاتار»، على أن صعوبة نقل أبنائهم من أصحاب الإعاقات المختلفة تحول دون اصطحابهم إلى المدرسة ليبقوا يعانون بشدة وصمت في زمن متسارع، لا يهتم كثيراً بتفاصيل معاناتهم اليومية.

حكاية معاناة

أمثلة مواجهة الصعاب شاهد عيان على قدرة عائلات أصحاب الهمم على التحمل وتقبل ما خطته الأقدار من إعاقة الأبناء والتعايش مع ذلك بصبر، التقينا هناك أب يعيش معاناة إنسانية قاسية، لا يمكن تخيل وطأتها الاجتماعية والنفسية والصحية إلا لمن زار هذا المكان واطلع على قصته، حيث رزق بأربعة من الأبناء كلهم من ذوي الإعاقة البصرية، ما حول حياة الأسرة إلى «جحيم» لا يطاق.

تقطن أسرة الأب والأم، ومعهما أربعة أبناء تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاماً، في كوخ صغير وقديم لا تتجاوز مساحته 4 أمتار مربعة، يتكدسون به في ظروف معيشية لا تليق بكرامة إنسان في القرن 21، بيد أن الأدهى من العيش في كوخ بالكاد يأويهم، أن أبناءه جميعهم مصابون بالإعاقة البصرية.

قصة هذه الأسرة الفقيرة التي لا تجد ما تسد بها قوت يومها، لا تقف عند هذا الحد، فالأبناء يفتقدون الشعور بالاتجاه، وهو ما يعني أنهم إذا خرجوا بمفردهم من البيت دون مراقبة، سيتيهون ويضلون الطريق، فكيف يقوى والدهم على اصطحابهم جميعاً إلى مدرسة غير مهيأة أصلاً لاستقبال هذه الفئة.

«البيان» وسط أطفال «أمولاتار»

وسط سوء معاملة ومعاناة فوق معاناة لأصحاب الهمم في المخيم الذي زارته «البيان» في مقاطعة «أمولاتار» الأوغندية التقينا عدداً ممن جمعهم ليس سجن الإعاقة فقط، وإنما سجن المجتمع الأكبر الذي يتفنن في صب الزيت على نار آلامهم بنبذهم واعتبارهم فئة مسحورة غير مسموح بمخالطتها.

وكان الحلم الذي راودهم واحداً وهو العيش بصورة طبيعية مثل باقي أقرانهم من الأطفال، وأما سر هذا الحلم الذي طاف عليهم بشكل جماعي فهو حقوقهم الضائعة، بمختلف فئاتهم وأنواع إعاقتهم، الجسدية، والعقلية، والمركبة، فهم يعانون من تهميش قضيتهم، حتى فكرة الاحتفالية بيوم المعاق العالمي فهي تخطئهم في هذه البقعة من الأرض.

في إحدى الزوايا تجلس الطفلة أوتشن إيمانويل، ذات الـ12 عاماً والتي ولدت بإعاقة حركية شلت حركتها وأقعدتها حبيسة الجدران منذ ولادتها، كان يسيطر عليها شعور بالخجل مغلف بالنقص فهي أم تخجل أن يحادثها فرد أو يتبادل معها أطراف الحديث، واستكثرت على نفسها حديثنا معها فكانت ترد باقتضاب يقض ضمائرنا ألماً وحسرة على أوضاع هذه الشريحة.

الطفلة التي لم تقو عيناها على الالتقاء بأعيننا اختصرت معاناتها مطأطئة الرأس، في أن والدتها لم تستطع أن ترسلها إلى المدرسة بسبب صعوبة الحركة وعدم قدرتها على حملها، وتمنت لو أنها تمتلك وسيلة تساعدها على الالتحاق بركب التعليم مثل بقية إخوانها وجيرانها، لتبقى حبيسة هذا الأمل المنشود زمناً طويلاً.

وكان للطفل عمارة جفري البالغ من العمر 17 عاماً، موقف آخر مع الأمل بالرغم من شدة إعاقته ليست الواضحة على أجزاء متفرقة من جسده فقط، بل أيضاً إعاقته الاجتماعية بعد أن فقد والديه في الحرب الأهلية في جنوب السودان بسبب صراعات لم يكونوا فيها سوى الطرف الأضعف، ولم يتبق له من يعتني به سوى أخيه، فإلى جانب الفقر وغياب الخدمات الأساسية، تحتل إعاقته جزءاً من هموم أخيه.

وقد يبدو الطفل دينيس سوجالا ذو الـ13عاماً أفضل حظاً من نظيريه كونه التحق بالمدرسة قبل أن يصاب بالإعاقة الحركية نتيجة إصابة في قدمه اليسرى التي انتشرت فيها الغرغرينا بسبب غياب العناية الطبية، ما أدى إلى قطعها لإنقاذ حياته، إلا أن المصير الواحد جمعه بسابقيه في نهاية المطاف لينقطع عن المدرسة ويسطر فصلاً جديداً من فصول معاناة هذه الشريحة.

معتقدات جاهلة وأرقام خطرة

المتغيرات المحيطة بأصحاب الهمم كانت لها الغلبة، فطمست قدرتهم على إيصاد أبواب الإعاقة، بسبب معتقدات خاطئة تنم عن جهل دفين في مجتمعاتهم التي لم تفتأ ترسل شكوكها المريضة نحوهم بأن إعاقاتهم ناتجة عن تعرضهم للسحر أو الشعوذة، ضاربين عرض الحائط بأن المعاق كسائر البشر له إحساسه وكيانه وتفكيره، ولا يحب الهزيمة، بل يحتاج إلى من يفهمه.

هذا الاعتقاد أسهم في نبذ المجتمع لهذه الفئة والنأي عن مجرد التعامل معهم بأي شكل من الأشكال، فأضحوا في عزلة اجتماعية، تحيطهم الأحكام المسبقة التي تطلقها البيئة هناك.

أكثر من 500 طفل في المخيم، الذي زرناه قضيتهم تحتاج إلى تدارك وضعهم القائم؛ بتبني الإعاقة كونها قضية إنسانية أساسية في مجال التخطيط والرؤية المستقبلية بشكل يسعى للحد من الإعاقة، وتوفير الخدمات التأهيلية المناسبة كماً ونوعاً.

النتيجة أعلاه ضرورة لمجتمع أوغندا، الذي يعاني 12.5% من أفراده من شكل من أشكال الإعاقة، بينما وصلت نسبة الأطفال المعاقين لـ5%، وهذه نسبة ليست بالقليلة، خاصة أن عدد السكان بلغ 34 مليوناً في عام 2014، وتعتبر الحكومة هي المسؤول الرئيس لتقديم الدعم لهذه الشريحة بنسبة 47%، بينما لا تتعدى مساهمات المنظمات العالمية سوى 14%. أوغندا - البيان

تعريف عام واتفاقية دولية

يُعرف المعاق دولياً بأنه أي فرد يعاني من قصور جسمي أو عقلي نتيجة عوامل وراثية خلقية أو بيئية مكتسبة، ما يترتب عليه آثار اجتماعية أو نفسية تحول بين تعلم وأداء بعض الأعمال والأنشطة الفكرية والجسمية، التي يؤديها الفرد العادي.

وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، المعاهدة الدولية لحقوق الإنسان، والتي اعتمدتها الجمعية العامة في 13 ديسمبر 2006؛ وفُتح باب التوقيع عليها في 30 مارس 2007 ودخلت حيز النفاذ في مايو 2008 بعد تصديق الدولة الطرف العشرين عليها.

وفي فبراير 2011، بلغ عدد الدول الأطراف في الاتفاقية 98 دولة وكانت الاتفاقية أول معاهدة حقوق إنسان صدقت عليها منظمة تكامل إقليمي، وهي الاتحاد الأوروبي، وعدد الدول الموقعة على الاتفاقية 147 دولة.

وتعتمد الاتفاقية تصنيفاً واسعاً لذوي الإعاقة وتعيد تأكيد أن جميع الأشخاص بمختلف أنواع إعاقاتهم يجب أن يتمتعوا بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

وتوضح الاتفاقية وتوصّـف كيفية انطباق جميع فئات الحقوق على ذوي الإعاقة، وتحدد المجالات التي يتعين تكييفها كي يتمكن الأشخاص ذوو الإعاقة من ممارسة حقوقهم بشكل فعلي.

المصدر : البيان