بوابة الانسانية

صناعة الخصومة بين العمل الخيري والمسؤولية المجتمعية!

صناعة الخصومة بين العمل الخيري والمسؤولية المجتمعية!

الإثنين 18 سبتمبر 2017 مقالات

تغمرني مشاعر الاستياء في بعض الملتقيات والمؤتمرات المتعلقة بالمسؤولية المجتمعية، حينما أسمع صوتاً يهمس هنا أو هناك ويقول:(المسؤولية المجتمعية هي: الاستدامة والتمكين، والعمل الخيري هو للفقراء والمعوزين). وتأتي هذه العبارة في سياق التفريق بينهما، وهذا الاستياء ينبع من أمرين:
الأول: لماذا ندخل أنفسنا قسراً في محاولات القسمة على اثنين؟ بل وأحياناً القسمة على واحد، وكأنما الحياة لا تطيب ولا تصح إلا بهذا، فيجوز أن أمدح زيداً، ولا أشتم عمراً أو أنتقص منه!
الثاني: مصطلح المسؤولية المجتمعية، وعلى اختلاف تشكل مسماه عبر السنوات الأخيرة، هو مصطلح حادث وجديد مقارنة بمصطلحنا (العمل الخيري)، ولا يزال ينتقل من طور إلى طور وكأنما هو مراهق يبحث عن هويته، بينما في المقابل عندنا أصل متين، وركن شديد نأوي إليه وهو: (العمل الخيري) تم بيانه وتفصيله منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، ممن لا ينطق عن الهوى. فلماذا نعيد الأصل إلى الفرع؟ أو نجعل الفرع مهيمناً على الأصل فضلاً أن يكون خيراً منه؟!
إن العمل الخيري طيفٌ واسع من أعمال البر المختلفة، ويتشكل قولاً وفعلاً، ويتجلى في أخلاق وتصرفات الأفراد والمؤسسات.
العمل الخيري أعظم من أن نضيقه في مساعدة فقير، أو أن نصفه بعدم الاستدامة، أو عدم الاهتمام بأصحاب المصلحة، لأن هذه عناصر ميكروسكوبية في تكوينه! وقد تجاوزها بمراحل.
ففي العمل الخيري الطمأنينة المجتمعية، تبسمك في وجه أخيك صدقة!
وفيه المبادرة والمسؤولية الذاتية، إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وكم من أذى حسي ومعنوي نحتاج أن نزيله، وفيه الترابط المجتمعي، “فتحب لأخيك ما تحب لنفسك”، و”ليس منا من يبيت وجاره جائع إلى جنبه”، و”تصلح بين متخاصمين” تبلغ به درجة الصيام والصلاة النافلة وتزيد!
وفيه التمكين، خذ فأساً واحتطب!
وفيه الإصرار على إتمام عمل الخير، إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها!
وفيه نفع الغير، فتعين الرجل في دابته، أو تحمله عليها، أو تحمل له عليها متاعه صدقة!
وفيه الاستدامة، إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث… وفيه الرحمة، دخلت الجنة بغي؛ سقت كلباً يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، ودخلت النار امرأة؛ حبست هرة لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.
وحافظت الشريعة على أصحاب المصلحة بقواعد تقررت من النصوص الثابتة والمتعددة حتى نتج لنا:” لاضرر ولا ضرار ” ، و ” الضرر يزال” و أثبت للجار حق الشفعة، و “لا يمنع جار جاره أن يغرس خشبة في جداره”.
وحثت على الشفافية والإفصاح والمساءلة ” أنى لك هذا ؟ “، و ” هلا جلس في بيت أمه وأبيه فلينظر هل يهدى له أم لا .. “، وحذرت من الفساد ” لعن الله الراشي والمرتشي والرائش ..”
فيا لله، ما أزكى عملنا الخيري، وما أطيبه، وما أشمله،
والمداد يمتد لغير هذا من الآثار والنصوص، ولكن يكفينا هذه اللقيمات تقيم صلبنا وتفتح آفاقنا.

وفي المقابل، وحتى لا أقع فيما نهيت عنه، لا يعني كلامي مطلقاً ذم المسؤولية المجتمعية، فقد كنت أحد الأفراد المتأهلين عليها في أول دفعة في الغرفة التجارية بالرياض، وأقرأ فيها، وأحضر مؤتمراتها، وأتابع أخبارها، وأشتغل عليها، واستمتع بها، وفيها من الخير الجميل، الذي يمكن الإفادة منه، وتوجيه دفة القطاعات المشتغلة عليه، لتكون سيرتهم أفضل وأقوم.
ومرحباً بالمسؤولية المجتمعية نفيد منها وتخدمنا ونخدمها.

المصدر : صحيفة انماء