بوابة الانسانية

بداية إسهامه في العمل الخيري 

انهارت كل المؤسسات الطبية والخدمات الصحية في الصومال بعد الاطاحة بنظام سياد بري عام 91 من القرن الماضي، وتحولت معظم المراكز الصحية والممتلكات الحكومية إلى معسكرات للمدنيين الذين لم يجدوا مأوى يلجؤون اليه، بينما العشرات من البنايات السكنية الأخرى باتت منهوبة، و ما بقي فيه إلا أطلال قديمة تذكِّر التاريخ .

 

وبعد تذمر الشارع الصومالي من الحرب الأهلية التي اكتوى بنارها عدد كبير من الصوماليين أصبحت الخدمات الأساسية الحياتية معدومة تماماً، فلم يجد المواطن الصومالي من يعينه في زمن الحرب، و الخدمات الصحية التي كانت توفرها الحكومة المركزية  مجاناً أصبحت مدفوعة الأجرة وبمقدار كبير لكثير من الأطباء المتخصصين الذين أسسوا لأنفسهم مراكز طبية في مقديشو ، بغية الحصول على أجر وفير من جيوب فقراء الناس ، ولم تعد للمستوصفات الصحية الحكومية أي دور لها في هذا المجال .

 

وتعاني معظم المستشفيات الصحية في مقديشو غياب الأجهزة الطبية الحديثة مع افتقارها إلى سيارات الاسعاف الطبية  لنقل المصابين إلى المستشفيات ، وبدلاً من ذلك كانت العربات اليدوية هي الآلة الوحيدة  التي ينقل من خلالها المئات من الجرحى وخاصة من الطبقة الضعيفة من المجتمع  إلى المستشفيات ، التي غالباً ما تبعد عن مناطق القتال في العاصمة عن بضعة كيلومترات، مما يؤدي إلى حدوث نزيف دموي للمصابين أو ربما يفاجئهم الموت خلال عملية النقل .

 

يقول الطبيب الصومالي  الدكتور عبد القادر عبد الرحمن أدم رئيس جمعية الأمين للإسعافات الطبية :" رأينا في أن نبذل ما بوسعنا من جهود لمساعدة الصوماليين وبخاصة أولئك الذين لا يجدون من يعينهم خلال العنف في مقديشو، وأسسنا هذه الجمعية، لنقل المصابين والمرضى إلى المستشفيات بسيارات إسعاف مجهزة بالأدوات الطبية دون أن نطلب منهم دفع أموال لقاء العمل الحثيث الذي نقوم بهم، وهو ما استغربه كثيرمن الصوماليين .

 

فكرة مستوردة

ويقول عبد القادر عبد الرحمن: إن فكرة تأسيس جمعية الأمين تعود إلى عدد من الشباب الصوماليين الذين درسوا الطب خارج الصومال، و عادوا إلى البلاد إبَّان الاحتلال الإثيوبي الصومالَ في الفترة ما بين 2006 ـ 2009 م ، وكانت الفكرة تحتاج بذل جهود جهيدة، و أموالاً كثيرة لتحويل الأحلام إلى واقع ملموس .

 

وأخذ عبدالقادر بعد مضي فترة من الزمن يجمع تبرعات مالية من الشركات التجارية في البلاد، وعدد من التجار الصوماليين، وأثمرت جهوده فعلاً نهاية المطاف ، و تلقت فكرته قبول بعض الشركات المحلية، حيث ساهمت شركة هرمود للاتصالات في الصومال في المشروع البدائي في مطلع عام 2008 ، وسدت جزءاً كبيراً من احتياجات المؤسسة، ووفرت لها أجهزة الاتصالات الحديثة فضلاً عن دفع أموال أخرى لتيسير عمل المؤسسة الخيرية .

 

ولدى المؤسسة الآن عدد من السيارات للإسعافات الطبية المجهزة بالأدوات الطبية، و معها عدد من سائقيها وعمال أخرين ، وتدفع شركات محلية أخرى أجور عمال المؤسسة، لتساهم بدورها في مساعدة الشعب الصومالي.

 

ويتابع عبد القادر عبد الرحمن : هذه الفكرة استوردناها من الخارج، إذ توجهت خلال إقامتي في البلدان الأجنبية الأخرى لدراسة الطب إلى تأسيس هذا المشروع الطبي في الصومال، و دراسة مدى حيويته في  بلد أدمن فواجع الحرب لمدة عشرين عاماً .

 

لم يوجد في مقديشو قبل عام 2006 مؤسسات طبية توفر للصوماليين خدمات صحية سوى عدد من الهيئات الخيرية العربية، إلا أن هذه الهيئات لم يعد لها وجود بعد سقوط البلاد في أيدي المحتل الاثيوبي، مما زاد معاناة الشعب ، وعلى ما يبدو فإن مؤسسة أمين الخيرية تلعب دوراً في سد احتياجات الشعب الصومالي شعوراً منها بالمسؤولية الدينية والوطنية.

 

غياب الهيئات الدولية

كانت الهيئات الدولية الطبية  سابقاً تمعيل الصوماليين، وكانت توفر لهم الادوية الطبية الرخيصة التكاليف مجانيا، وإن قيل بحقها كثير من الأقاويل بدس السم في العسل، إلا أن هذه الهيئات  أجبرت على سحب عمالها من الصومال عام 2010 بعد أن قررت حركة الشباب منع أنشطتهم الانسانية في الصومال بدعوى أنهم يروجون الديانة المسيحية في أوساط المجتمع.

 

ويقول عبد القادر عبد الرحمن: معظم الهيئات الدولية لم تمد الينا يد العون في مواصلة هذا العمل الخيري، ولم يكتب لهم أي دور في المساهمة في هذا المشروع، لكن وقفت بعض الشركات التجارية المحلية معنا حتى لا ينقطع هذا العمل الانساني.

 

ويتابع قائلاً: هناك فرق جوهري وتقدم ملحوظ في مجال الاسعافات الطبية في الصومال، لقد كانت سيارات الأجرة و النقل العام والعربات اليدوية تستخدم في نقل المصابين والجرحى، أما اليوم فهناك سيارات للإسعافات الطبية مزودة بأدوات طبية ويرافقها عدد من الأطباء العاملين لدى المؤسسة عكس هذه الآليات البدائية الأخرى.

 

المهمة الأساس التي تسعى المؤسسة الطبية  هذه إليها هي أن يحصل المواطن الصومالي في حالات الحرب والسلم خدمة سيارات الاسعاف الطبي، وهو أمر لم يكن موجوداً سابقاً، وتُعد هذه الخدمة نقلة نوعية في مجال الاسعافات في الصومال، كما كان الفقراء من الشعب لا يجدون في الماضي من ينقل ذويهم الجرحى إلى المستشفيات، إلا أن هذه المؤسسة حملت هذه المسؤولية على عاتقها.

 

احصائيات طبية

وبحسب سجلات مؤسسة الأمين الطبية، فقد قامت المؤسسة في شهر فبراير الماضي من عام 2011 بنقل 86 جريحاً من بينهم 13 طفلاً و 32 امرأة ، بينما البقية الأخرى من الرجال، أما في شهر مارس فقد نقلت 116 مصاباً، منهم 33 جريحة و 54 جريحاً و29 من الأطفال كما تم خلال هذا الشهر نقل ثمانية أشخاص قد ذهبت أرواحهم إلى باريها .

 

أما في أبريل المنصرم فقد تم نقل 154 جريحاً بإصابات متفاوتة، وكان العدد الأكبر من الرجال، أما 34 جريحاً فكانوا أطفالاً صغار، بينما الجريحات  فكن 37 ،بينما نقل تسعة أشخاص في عداد الموتى، وتتكفل المؤسسة بايصال الأموات إلى أهلهيهم  .

 

ويشكل الأطفال نسبة 21% من الاحصائية ، بينما ارتفقت نسبة النساء إلى 28% أما الرجال، فكانت نسبتهم 46% ،بينما نسبة الوفيات كانت 4 %..

 

والواضح للعيان في هذه الاحصائيات الطبية التي سجلتها مؤسسة معين فإن أعداد القتلى والجرحى آخذ في الازدياد، مما يجبر المؤسسة مستقبلاً على زيادة عدد عمالها وتوسيع خدماتها المجانية .

 

ويعتزم عبد القادر عبد الرحمن ـ العمود الفقري في المؤسسة ـ  تسخير حياته كلها وكل الامكانيات المتاحة لخدمة الشعب الصومالي، ومواصلة هذا العمل الدؤوب مهما تغيرت ظروف الأحوال في الصومال آجلاً أم عاجلاً .