الندوة الدولية الهجرة: وجهات نظر متقاطعة

الندوة الدولية الهجرة: وجهات نظر متقاطعة

تعدّ الهجرة ظاهرة ضاربة في عمق تاريخ البشريّة، وقد لعب المهاجرون دورا رئيسيا في نشر التقنية والأديان والثقافات، وساهموا في تطوير وسائل الاتصال والتعارف والتعايش بين الناس.  وتكفي نظرة سريعة لمختلف العادات والتقاليد الراسخة في بلدان البحر الأبيض المتوسط مثلا ​ للبرهنة على عمق أثر هذه الظاهرة في حياة شعوب المنطقة، وهي التي شهدت أشكالا متنوعة لهذه الظاهرة، تفاقمت خاصة في القرنين الأخيرين وكانت لها انعكاسات لا تخلو من حدّة وخطورة في أوروبا وصلتها بما حولها.

 لقد أضحت الهجرة موضوعا ساخنا، وهو ما أهّلها لتكون محلّ اهتمام جميع وسائل الإعلام في العالم وتتصدّر القضايا الدوليّة. فقد أدى غرق 87 مهاجرا قبالة جزر قرقنة في تونس في ليلة 2 يونيو 2018 إلى تسليط الضوء على هذه الظاهرة. وبعد الأحداث الأخيرة التي هزت الكثير من بلدان البحر الأبيض المتوسط ​​فضلا عن مشاكل تغير المناخ التي يعاني منها بعض أجزاء من العالم، لوحظ ارتفاع أعداد المهاجرين بشكل غير مسبوق وخطير، وكشفت محاولات الهجرة عن حقيقة واقع المهاجرين في بلدانهم وتعدّد الأسباب الدافعة لخروجهم منها وفرارهم نحو بلدان بديلة وعوالم أفضل في ظل غياب حلول جذرية ودائمة لها مثل الحروب والمجاعات والأوبئة والبطالة… لقد تجشم المهاجرون مشقة عبور حدود بلدانهم بطرائق شرعيّة وغير شرعيّة، متحدين كل العقبات، معرّضين أنفسهم لشبح الموت وظلّت صورهم محفورة في ذاكرة كل واحد منا وربما لفترة طويلة فقد شكّلت علامة على التحدي الأكبر  الذي شهده القرن الحادي والعشرون.

ولم يكن حال المهاجرين في بلدانهم الجديدة بأفضل حال خاصة في البدايات أمام سلطة التشريعات والقوانين التي لا تعترف بهم وتحرمهم من صفة المواطنة والحقوق المترتبة عليها. فكانت المواثيق الدوليّة والمنظومات القانونيّة عقبة رئيسية أمام تلبية احتياجات المهاجرين. ولتصحيح هذا الوضع، كان لا بدّ من التفكير في تطوير المنظومة القانونيّة الخاصّة والدوليّة لتكون مستجيبة لمتطلّبات السياقات الحالية وتكون قادرة على ضمان حقوق المهاجرين والمنفيّين واللاجئين وتوفير سبل العيش اللائق بهم باعتبارهم بشرا في المقام الأوّل تمهيدا لإيجاد حلول تكفل لهم التأقلم مع وضعهم الجديد وتيسّر تنظيمه، أو توفّر لهم نوعا من الاستقرار الظرفي في انتظار عودتهم إلى أوطانهم بعد أن توجد حلول للإشكالات التي كانت سببا في مغادرتهم لها.

فالهجرة ليست دائما خيارا، بل هي أحيانا عائق ومشكل. وفي كل عام يموت آلاف المهاجرين على أبواب أوروبا. فقد ثبت وفق منظّمة الأمم المتحدة أنّ هناك أكثر من خمسة آلاف حالة وفاة سجّلت في البحر الأبيض المتوسط فقط لعام 2016.

وقد جعلت هذه الأرقام المفزعة والمأساويّة البحر واجهة لأكثر  الصور دموية في العالم. و لمقاومة هذه الكارثة تبذل اليوم جهود كبرى من أجل تحقيق مزيد من الفعالية خاصة في مكافحة الهجرة غير الشرعية. وبفضل التعاون الدولي بدأت هذه الجهود تثمر وتعطي أكلها، وهي في حاجة إلى مزيد الدعم والإسناد والتطوير.

والهجرة أيضا، فضلا عن كونها مشكلة نفسيّة واجتماعيّة، قضية سياسية. فقد احتلّت في الخطاب السياسي موضعا قارا باعتبارها واحدة من الموضوعات الأكثر إثارة لقلق الناس ومخاوفهم. وفي الوقت الذي وجدت فيه بعض الدول ظاهرة الهجرة فرصة متميّزة لمعالجة نقص اليد العاملة وتطوير اقتصادياتها لكونها توفّر يدا عاملة غير مكلّفة، عدّتها أخرى المصدر الرئيسي لجميع علاتها ومشاكلها. وهو ما نلاحظه في بعض المشادات التي تقع بين الأحزاب المدافعة عن الهجرة والمعارضة لها..

    ومع ذلك، فالهجرة شكلت في أحيان كثيرة عاملا إيجابيّا في حياة البلدان المستقطبة للمهاجرين. فكانت سببا في التنوع الثقافي داخلها، وأدخلت روحا جديدة في حياة نخبها الفكريّة والسياسيّة والأدبيّة… ويبدو  من ثمّ موضوع الهجرة من المواضيع التي تغري بالدرس لما يوفّره من إشكالات خصبة للباحثين على اختلاف تخصصاتهم. فضلا عن كونها موضوعا أثيرا في الأدب شعرا ونثرا ومسرحا.. وخاصة في الأدب المعاصر، فالروايات التي تنقل قصة المنفى والمهجر كثيرة. والأمثلة على ذلك كثيرة مثل أحمد زيتوني، ليلى هواري، كريم مترف، أمارا لاخوس..

لا يمكن للمرء أن يبقى غير مبال بهذه الظاهرة التي لا تؤثر فحسب في دول البحر الأبيض المتوسط، ولكن أيضا في سائر دول العالم. وفي هذا السياق تسعى هذه الندوة إلى التعرف على السمات البارزة لهذه الظاهرةمختلف وجهات النظر حولها في اختصاصات شتّى قانونيّة، فكريّة، أدبيّة، اجتماعيّة، نفسيّة..

   والهدف من هذا المؤتمر هو المساهمة في فهم حقيقة المشاكل المتعلقة بالهجرة، لا سيما من شمال أفريقيا وأفريقيا عامة في اتجاه أوروبا، وتبيّن آثارها الاجتماعيّة والجيوسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، والتفكير في العوائق القانونيّة وسبل تذليلها وتجاوزها واقتراح حلول لها.

محاور الندوة:

·        الهجرة والتاريخ

·        الهجرة والعلاقات الدولية

·        الهجرة والحق

·        الهجرة والاندماج والهوية

·        الهجرة والآداب والفنون.

منسّق الندوة: الأستاذ علي صلاح الشابي

لغات الكتابة في الندوة: العربيّة، الفرنسيّة، الإيطاليّة، الأنجليزيّة.

معلومات الاتصال

سوسة - تونس